من السهل النظر إلى التوترات في الشرق الأوسط باعتبارها امتدادًا لصراعات تقليدية مألوفة. لكن قراءة أعمق تشير إلى أن ما يجري قد يكون جزءًا من تحوّل أوسع في بنية النظام الدولي، حيث تتقاطع حسابات الطاقة مع توازنات القوة الكبرى، ويتحوّل الإقليم إلى ساحة اختبار لإعادة توزيع النفوذ العالمي. ليست هذه قراءة يقينية، بل محاولة لفهم المشهد من زاوية المصالح الاستراتيجية لا من زاوية الشعارات. منطق الدول الكبرى: المصالح قبل التحالفات
التاريخ الحديث للعلاقات الدولية يُظهر أن الدول العظمى لا تبني سياساتها على الصداقات الدائمة، بل على المصالح الدائمة. التحالفات أدوات، وليست غايات. وعندما تتغير المصلحة، تتغير الخريطة.
في هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة معنية قبل كل شيء بالحفاظ على موقعها في قمة النظام العالمي، في مواجهة صعود قوى أخرى تسعى إلى إعادة التوازن أو إعادة التشكيل.
لا يمكن الحديث عن إعادة ترتيب عالمي دون التوقف عند الصين. فهي المنافس الاقتصادي الأول لواشنطن، وصاحبة أكبر قاعدة صناعية في العالم، وأحد أهم اللاعبين في التكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
لكن نقطة الضعف الجوهرية لبكين تبقى اعتمادها الكبير على استيراد الطاقة. أي اضطراب واسع في أسواق النفط والغاز ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج، والتضخم، والاستقرار الاجتماعي. ومن هنا، تصبح الطاقة أكثر من مجرد سلعة؛ إنها أداة ضغط استراتيجية.
الحرب في أوكرانيا أظهرت هشاشة المنظومة الأوروبية في ملف الطاقة. القارة العجوز وجدت نفسها أمام أسعار مرتفعة، وتباطؤ اقتصادي، واعتماد متزايد على مصادر بديلة مكلفة.
أوروبا ليست خصمًا لواشنطن، لكنها ليست بمنأى عن آثار أي إعادة توزيع للموارد أو ارتفاعات حادة في الأسعار. وفي عالم مترابط، قد تتحول الصدمة الطاقية إلى أزمة صناعية ومالية واسعة.
روسيا لاعب مركزي في سوق الطاقة العالمية. صحيح أن اقتصادها أقل حجمًا من اقتصادات الغرب مجتمعة، لكنها تملك أوراق ضغط مهمة، خصوصًا في علاقتها بالصين.
وفي حال تعرضت أسواق الخليج لاضطراب كبير، قد تصبح موسكو أحد المنافذ القليلة أمام بكين لتأمين احتياجاتها، ما يضعها في موقع تفاوضي حساس، لكنه أيضًا محفوف بالمخاطر.
الخليج ليس مجرد منطقة نزاع إقليمي؛ إنه عقدة الطاقة العالمية. أي تصعيد واسع هناك يعني:
ارتفاعًا حادًا في أسعار النفط.
اضطرابًا في سلاسل الإمداد.
موجة تضخم عالمية.
ضغوطًا سياسية داخل الدول المستوردة.
في هذا الإطار، تصبح إيران عنصرًا محوريًا في المعادلة. موقعها الجغرافي وتأثيرها في ممرات بحرية استراتيجية يجعلان أي تصعيد مرتبط بها حدثًا عالمي الأثر، لا إقليميًا فقط.
بعض التحليلات تذهب إلى أن أي انهيار داخلي في دولة بحجم إيران قد يفتح الباب أمام موجات نزوح، وتوترات عرقية، وسباق نفوذ إقليمي. غير أن هذه السيناريوهات تبقى رهينة عوامل كثيرة: تماسك الداخل، مواقف الجوار، وقدرة القوى الكبرى على احتواء الفوضى بدل الانزلاق معها. التاريخ مليء بأمثلة خطط كبرى أُجهضت بسبب متغيرات لم تكن في الحسبان.
قد يكون ما نشهده اليوم مجرد جولة جديدة في صراع النفوذ التقليدي. وقد يكون، في المقابل، مقدمة لتحول أعمق يعيد رسم خطوط القوة في العالم.
في كل الأحوال، تبقى الحقيقة الأساسية أن معارك القرن الحادي والعشرين لا تُحسم فقط في ساحات القتال، بل في أسواق الطاقة، وغرف القرار الاقتصادي، وشبكات الإمداد العالمية.
أما المنطقة، فهي مرة أخرى في قلب العاصفة — بين الجغرافيا التي لا يمكن تغييرها، والسياسة التي لا تتوقف عن إعادة تشكيلها.
(3)
أعضاء قالوا شكراً لـ صهيب
على المشاركة المفيدة: