كُنت أحلم أن شيخًا باع كل الماء ليلًا ، وأقفل النهر بالمفاتيح القديمة ، ثم صلى بالتيمم كي لا يبتل ضميره بالاعتراف .
كان الناس خلفه يتوضؤون بالسراب ، ويبحثون في كفوفهم عن قطرةٍ تدلهم على السماء ..!
وأنا كنت أستيقظ كل مرة وأفتش في وجهي عن ماءٍ لم يُبع بعد ، عن نهرٍ لا يخضع لـ فتوى الجفاف ، عن قطرة لا تخضع لشرح ، عن صلاة لا تحتاج إلى تراب .
وفي آخر الحلم لم أر الشيخ ، رأيت قلبي واقفًا عند بئرٍ مهجورة ، يسألها : من الذي باعكِ أول مرة ؟
قالت : لم يبعني أحد ، أنا الذي جففت نفسي حين صدقت أن السماء بعيدة ، لم يكن الشيخ إلا ظل خوفٍ كبر حتى صار عمامة ، ولم يكن الناس حوله إلا إزدحام قلوبٍ تخشى أن ترى عُريها ، أما الماء فكان يسكن في الشقوق الصغيرة ، في دمعة خجلى ، في دعاءٍ لم يُرفع بصوتٍ عالٍ ، في صدرٍ عابرٍ لم يساوم عطشه .
ثم انشق الحلم عن صوت لا جهة له : إذا بعت ماءكّ فلا تلم الصحراء ، وإذا صليت بالتيمم فتأكد أن التراب ليس بديلًا عن النيّة .
واستيقظت وفي كفي قطرة وحيدة ، لم أعرف أكانت دمعة أم ماء أم يقينًا عاد متأخرًا .. والشيخ لم يكن بعيدًا ، كان يجلس داخلي ، يرتب فتاوي الهروب ، ويؤجل مواجهة النبع .
حينها فهمت أن الحلم لم يكن عن رجلٍ باع الماء ، بل عن قلبي حين كاد أن يصدق أن الطهر يُشترى ، فمددت يدي إلى أعماقي ، كسرت الجرّة التي خبأت فيها خوفي ، وتركت الماء يعود إلى اسمه الأول ، لم يعد نهرًا .. ولا بئرًا .. ولا مطرًا ، صار نورًا لا يُحتكر ، ولا يُفتى عليه ، ولا يُصلى بدونه .
ثم نهضت وغسلت وجهي بذلك العطش الجديد ، شعرت أن الملامح لم تعد كما كانت ، فتسرب الماء إلى داخلي ، فرأيت هناك حقولًا لم تُزرع ، وبذورًا تنتظر جرأة المطر ، وسماء منخفضة يمكن لمسها إذا خلعت كبرياءك ، فلم يعد الشيخ صورة ، صار احتمالًا أن أكون أنا .. إن خفت من صفائي !..
ولم تعد الصحراء أرضًا ، صارت صمتًا يتمدد كلما كذبت على نفسي ، الحلم كان أكثر صدقًا من يقظتي ، فمددت يدي إلى الهواء فلم ألمس غيمًا ، بل لمست وعدًا ، وعدًا يقول لي : كل من عاد إلى نبعه صار نهرًا .. فابتسمت لأول مرة ، لا لأن المطر هطل ، بل لأنني لم أعد أخافه ، سمعت البئر تضحك .. لا ماء فيها بعد ، لكنها لم تعد خائفة من الجفاف ، فالجفاف حين يعرف اسمه يتحول إلى دعاء .
والشيخ تلاشى ، لم يمت لكنه عاد حجمه الطبيعي .. فكرة يمكن محاورتها ، لا صنمًا يهاب السؤال : كيف أكون ماء ولا أُباع ؟
ثم سرت والسؤال أمامي كقنديل لا ينام ، كلما اقتربت منه ازداد صفاء وازددت أنا خفّة ، قلت له : كيف أكون ماء ولا أُباع ؟
فأجابني الصمت أولًا ، والصمت حين يجيب يخلع عن الكلمات زينتها .
ثم سمعت داخلي : كُن نبعًا .. فالنبع لا يملك نفسه كي يعرضها في السوق ، كُن غيمًا .. فالغيم يعطي ثم يمضي ولا ينتظر تصفيقًا ، كُن دمعة صادقة .. فالدموع لا تُشترى ، بل تولد حين يعجز القلب عن الكذب .
توقفت عند أول مرآة ، لم أرى وجهي كما اعتدته ، رأيت مجرىً خفيًّا يمر تحت جلدي ، ينتظر فقط أن أرفع السد ، عندها فهمت أن البيع لا يبدأ من اليد ، بل من الخوف ، فأغلقت كل أسواق قلبي ، ألا أبيع ما يجعلني حيًّا ، ولو صلى العالم كله بلا ماء .